“فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ ۖ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ” قران – سورة – سبأ (14) ما يحدث من انهيار للسودان؛ الآن، بهدم ما كان يُسمى جزافاً بالدولة، وتفتيت معظم المستندات، الوثائق، والأراشيف، فحالة البربري التي تنتظم الخرطوم وولايات دارفور، هي ليست إلاّ جثة سليمان (نظام الإنقاذ)، خرّت واقعة، بعد أن كانت تسنده عصاه (لجنته الأمنية التي تحوي اطراف الصراع الحالي)، رغم موته وللأسف كان “التسونجية” واصحاب مشروع امبيكي، وانتخابات ٢٠٢٠ من أحزاب الاتفاق الإطاري جميعاً يعملون لآخر لحظة؛ ظانين أن سليمان باقٍ للأبد حتى أُسقط بين ايديهم . يصبح السؤال الآن ما هو التالي ؟ وماهي الخطوة القادمة؟ أو بالأحرى فلنبدأ بما هو تعريف لما يحدث من استهداف لمناطق، وجهات بعينها، دون الأخرى، وإن كانت الأخرى تطابق الشعارات المرفوعة من الأطراف المتحاربة، فماذا يخدم قصفٌ يسقط قتلاه أطفال وأبرياء في منازلهم، وماشية في مراحها؛ قضية حل الدعم السريع ؟ وماذا يخدم احتلال بيوت الأبرياء، وانتهاك حقوقهم والسطو على المتاحف، والمستشفيات، قضية بل الفلول ؟ بل ماذا يخدم الخراب الحالي أيٌّ من الشعارات التي يرفعها المعسكرين ؟ إنّها الفوضى الخلاقة لمشروع التغيير الامريكي للمنطقة الذي تبناه الديمقراطيون، واختلف عنهم الجمهوريون في الكيفيِّة وليس من حيث المبدأ من ناحية الرفض أو القبول، حيث يفضل الجمهوريون جنوداً على الأرض؛ بدون مصوغات تقنع المجتمع الدولي، أما الديمقراطيين فيجدون أنه من الأفضل أن تعيث الدولة في الخراب بأيدي أبنائها، ويستجدي مثقفوها التدخل الأجنبي، ويأتون هم على صهوة جواد الخيل كأيِّ “كاوبوي” في فيلم ردئ الإخراج. إنّ ليلة السكاكين الطويلة قد طالت في السودان، وامتدت لقرابة الشهرين، وعانى منها الأبرياء ايِّما معاناة، وتربّح منها أمراء الحرب أيِّما تربُّحٍ، واستفادت دول الجوار من أموال من يملكون المال، فاستطاعوا الهرب أول فترة، واقفلت الآن الأبواب على من اضطروا اضطراراً للنزوح إلي الخارج بدون معينات مادية، مثلما حدث مع السوريين والليبيين واليمنيين، فُتحت أبواب الدخول من ما يسمون بالإشفاء العرب ، وهم أشقياء، حيث كان الدخول لمن استطاع أن يدفع رسوم التذاكر التأشيرات والفنادق . فأيُّ لجوءٍ هذا الذي يدفع فيه اللاجئ قيمة وتكلفة ترحاله، واقامته، وعلاجه، وإنما هي سياحة الحروب، او سيحة الاجبار التي تدر على دول الجوار الكثير والكثير من الأموال، وبنفس القدر اغلقوا منافذهم بعد برهة، وذلك لعلمهم أن القادمون لاحقا هم حقيقة اللاجئون بدون معينات، وسيكونوا عالة عليهم ولن يستفيدوا منهم فاقفل الأشقاء أبوابهم، ولكأنهم لم يشاركوا في اشعال هذه الحرب اللعينة وازكاء فتنتها . ثم ماذا بعد هذا ؟ ثم ماذا بعد أن يقصف الجيش، الذي لا يملك مشاة ويدك الخرطوم دكا ؟ ماذا لو نجح المتبقي من هيكل الدولة القديم أن يعيد بناء نفسه ومؤسساته سريعا، محافظا على سيادته الجزئية بوجود قيادة الجيش في “البدروم”، آمنين، ومطابع العملة التي قد يغيرون اسمها قريبا في ولاية الجزيرة، والجوازات والعمل الدبلوماسي في بورتسودان ؟ هذه حرب لن ينتصر فيها أحد، ليس بمفهوم شعار المنتصر فيها خسران، وإن كان حقيقة، ولكن لن يكون هناك انتصار لطرف على آخر لأن الطرفين مدعومين من جهات خارجية. جهة تريد الجيش أن يسيطر بالرغم من احتوائه اسلاميين، وياحبذا لو لم يكونوا فيه ولكن لا يمانعون وجودهم طالما الجيش باقٍ، وهؤلاء بدت تتكشف لهم حقيقة أن السودان لا يوجد فيه جيش، بمعنى جيش حقيقي، فهو جيش طيران ومدفعية غير دقيقة، ولا يوجد به مشاة تكفي لان تمشط وتكسح بدون العون من الكتائب الاستراتيجية، وكتائب بكري حسن صالح، ونافع علي نافع، وكرتي، الأمنية أو كتائب المؤسسات الموازية من دفاع وأمن شعبي وتنسيقيات خدمة وطنية وزكاة، وغيرها وكل هذه واجهات وأيادي للحركة الاسلامية باختلاف مشاربها، وجهة تريد المليشيا التي تقهر جيش الاسلاميين، ولم يكونوا مصدقين للدعوات التي ترددت انه بادئ ذي بدء تشكل هذه المليشيا اسلامي التسوية في قيادتها، وأن المليشيات عموما يصعب السيطرة عليها، وهذا واضح الآن من افعال هذه المليشيا في المدنيين وتنصل الداعمين من أفعالها برغم دعمهم لها عبر حلفائهم الآخرين، بالسلاح والوقود، وفشلها أن تجد دعما حتى ممن دعمها ماديا من الغرب عبر اتفاقية “الخرطوم بروسس” منذ ٢٠١٦ حتى عاد واصبح مندوب الامم المتحدة في السودان يخطط لهم اطاريهم، مثلما خطط سياسة اليوم التالي في سوريا التي ساهمت في تعميق الصراع السوري ليس إلاّ. ووجهة أخرى تقبع في البحر منتظرة اما :أن ينهار كل شيء لتدخل أو ينتصر جيش يدين لها بالولاء ولعملائها الاقليميين، فتسايره كما سيرت من قبله، أو أن تنتصر المليشيا التي تملك صلات جيدة مع الدب الروسي وتمكنه من مطاراتها، وتعطيه قاعدة عسكرية، فتدخل عبر كاوبوياتها مانعة أن يتحصل الدب الروسي على موطئ قدم جديد في افريقيا. إن سودان ما بعد الحرب هو سودان لم تضح ملامحه بعد، وإن كان هناك تخمينات في حالة نجاح احد السيناريوهات، ولكن المعلوم بالضرورة أن السودان خرج من مسار العمل السلمي للعمل المسلح ولن تعيده القوى الإقليمية للعمل السلمي، ولكن ابنائه فقط هم القادرون على ذلك؛ إن استطاعوا تكوين جبهة عريضة مناهضة للحرب، تمثل آمال وتطلعات الجماهير المنادية بالتغيير، ليس كما يقول البعض من ابراجهم العلاجية، أو طائراتهم فوق الاطلنطي، مكونةً من نخبٍ تقدم نفسها؛ لتقود، وإنما أن تفرز الجماهير قيادتها عبر تنظيماتها الشعبية، لتقود المرحلة القادمة، َتبتعد بالسودان من أن يقع في فك القوى الاقليمية، وحلفائها، من جميع أطراف الصراع الحالي. مالم يحدث هذا فلا مجال غير أن نبحث عن “بول بريمر” لسودان ما بعد الاجتياح، أو حتى “كرزاي”، فمشروع السيسي فشل، ومشروع كيغامي في طريقه للفشل، ومن يظن أن هناك مجالٌ لاختراع العجلة فهو مخطئ، فالقوى العالمية والاقليمية تكرر في نفس العجلة منذ بدء الاستعمار حتى الآن، والشعوب تقود وتحرر نفسها بنفسها لا بأيدي نخب مغتربين عنها.
https://www.medameek.com/?p=123205 …جميع الحقوق محفوظة لصحيفة مداميك، لقراءة المزيد قم بزيارة