حرب المواقع أو الخنادق وحرب المناورة أو حرب الحراكات: بعد هزائم الحركة العمالية الثورية في أوروبا الغربية، خلق غرامشي قطيعه بينه وبين مفهوم التحول البسيط لنموذج الثورة البلشفية واستبعد أن يمكن تطبيقه كنموذج مماثل أيضا في أوروبا الغربية، في رسالة إلى توجلياتي في عام 1924، كان عليه أن يسلم له بحقيقة : إن التصميم (الثوري)، الذي كان فوريًا في روسيا ودفع الجماهير إلى الشوارع في انتفاضة ثورية، معقد في وسط وغرب أوروبا بسبب كل البنى الفوقية التي كانت أعلى هرم المجتمع وتتحكم فيه، إن درجة التطور الرأسمالي تجعل العمل الجماهيري أبطأ وأكثر حذرًا، وبالتالي تتطلب من الحزب الثوري استراتيجية وتكتيكات أكثر تعقيدًا وطويلة الأمد من تلك التي طلبها البلاشفة في الفترة ما بين مارس ونوفمبر. في عشرينيات القرن الماضي، أدرك غرامشي حقيقة أن علاقات القوة في الشرق لا يمكن مقارنتها بعلاقات القوة في الغرب، وبناءً على هذا الإدراك، حاول تطبيق استراتيجية مختلفة على الغرب، لقد غير الاستنتاجات النظرية للثورة واعتبر أنه من الضروري التحول من حرب المناورة إلى حرب المواقع، في هذه التأملات حول نظرية الثورة، يشير غرامشي بيانياً إلى التغيير في الاستراتيجية العسكرية على الجبهة الغربية خلال الحرب العالمية الأولى. بالنسبة لغرامشي، فإن مصطلح حرب الخنادق في دفاتر السجون هو فئة مركزية في نظريته عن الانتقال إلى الاشتراكية في البلدان المتقدمة صناعيًا، يعتقد جرامشي أن حرب المناورة مثل تلك التي حدثت في روسيا عام 1917، أي الاستيلاء على السلطة في فترة زمنية قصيرة نسبيًا، ممكنة فقط في البلدان المتخلفة، ومع ذلك، في الغرب، ينادي جرامشي بضرورة حرب الخنادق، مما يعني أنه يجب على الطبقة العاملة تطوير نضال طويل الأمد من أجل الهيمنة على جميع مستويات الحياة الاجتماعية حتى قبل الثورة (الفعلية). المنطقة التي يمكن فيها تحدي الهيمنة هي المنطقة التي تدعمها أيضًا، أي المجتمع المدني، يفهم جرامشي المجتمع المدني على أنه أرض ساحات القتال المختلفة، يبرر غرامشي ذلك بالقول إن المجتمع المدني بمؤسساته التي تعمل على تحقيق الاستقرار يحمي الدولة من المواجهة المباشرة، بحيث لا يستطيع أولئك الذين يريدون التغيير ببساطة تطوير ظروف اجتماعية جديدة عليه ان العمل وسط المجتمع المدني عبر التغيير الاجتماعي مترجما لنظرية غرامشي حول حرب الخنادق أو المواقع أو التغير طويل الأمد هو عمليا ضرورة لازمة لتجهيز المجتمع لكي يدعم عملية التغيير نفسها التي ستحدث لاحقا في الثورة الفعلية. يتحدث غرامشي عن حرب المناورة، حيث كان الغزو المباشر لسلطة الدولة لا يزال ممكناً ومع ذلك، فإن عملية تغيير الوضع السياسي في الدولة الغربية يجب أن يسبقها الاستيلاء على القوة المهيمنة، إن القوى العاملة، التي هي موضوع الحركة الثورية وتسعى إلى الإطاحة بالدولة البرجوازية، تجد نفسها في حرب مواقع، في صراع بعيد المدى من أجل تغيير التنظيمات الاجتماعية والتأثير الثقافي. لماذا بقيت دولة الكيزان تحكم حتى الآن يقرأ المرء في غرامشي: “في الشرق كانت الدولة هي كل شيء، كان المجتمع المدني في مهده وهلامياً في الغرب، كانت العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني صحيحة، وعندما تعثرت الدولة، تم الاعتراف على الفور ببنية قوية للمجتمع المدني، لم تكن الدولة إلا خندقًا أماميًا، كانت خلفه سلسلة قوية من القلاع والحصون. من دولة إلى دولة بشكل أو بآخر، بالطبع، لكن هذا داعيا التحقيق مفصل لطبيعة وطنية” (جرامشي، 1991، 874 (الكتاب السابع، §16)). ويؤكد كذلك أنه تتطلب حرب الخنادق تضحيات هائلة من معظم إن لم يكن كل جماهير لتشمل اغلبية طاغية من السكان، لذلك، هناك حاجة إلى تركيز غير مسبوق للهيمنة، وبالتالي، شكل أكثر توسع متضمنا شكل الحكومة، وأكثر انفتاحًا على مهاجمة المعارضين وتنظيم المستحيل لخلق وهزة داخل أجهزة الحكم باستمرار من جميع الأنواع، السياسية، الإدارية، إلخ. كما يجب تعزيز “المواقف” المهيمنة للجماعة الطالبة التغيير لتصبح مؤثرة بصورة أو أخرى على المجموعة الحاكمة من علاقات إنسانية أو سيطرة على الأسواق عبر النقابات العمالية، إلخ. كل هذا يشير إلى أن الوضع السياسي التاريخي قد دخل مرحلة الذروة، لأنه في السياسة، “حرب المواقع”، بمجرد الانتصار فيها، يتم حسمها بشكل نهائي لوجود سند ودعم جماهيري لا يضمن تغيير السلطة فقط وإنما يضمن دعمها لاحقا في بداياتها وهي احوج ما تكون للدعم، استغل هذا الأسلوب عبر مؤثرات عدة عدد من الحكومات منها حكومة الاخوان المسلمين نفسها في بدايتها بعد الانقلاب المشؤوم في ثلاثين يونيو 1989 حيث جيشو العاطفة الدينية والشعارات الدينية ضد روسيا الفرس وأمريكا الروم لتصبر الجماهير طواعية على المسغبة بل لتشارك عدد كبير منها في دعم الحكومة التي سلبة سابقتها الشرعية هذا الذي فشلت فيه الحكومة الانتالية التي لم تحصن نفسها من قوى الثورة المضادة بترياق الجماهير أو التخندق مع مصالحهم . أما بالنسبة لحرب الحركة أو المناورة فإنها تستمر في السياسة طالما أنها مسألة انتزاع مواقف غير حاسمة، انظر لموقف حكومة حمدوك في عامها الثاني حيث فشلت في خلق الحاضنة الجماهيرية العريضة خارج أوساط الميديا، وبالتالي لم يمكن حشد جميع موارد الهيمنة والدولة، وذلك لأنها أتت عقب نضال حركي ثوري واستخدمت أساليب تتبع للتغيير الناتج عن حرب الخنادق ظانين أنهم ملكوا ناصية الجماهير بدون أدنى تعب عليه كانت هذه المواقف كاحد الأسباب، أو لأسباب اخرى، فقدوا قيمتهم وثقلهم الجماهيري والذي كان ذا أهمية حاسمة، ثم تحولوا إلى حرب حصار مركزة من قبل القوى المهيمنة سابقا والتي مازالت تملك عدد كبير من الجماهير ليس بالضرورة عبر الانتماء وإنما عبر خلق مؤثرات تحركها وتستغل حراكها بصورة لا أخلاقية ولا إنسانية. لذلك وصف غرامشي الاستراتيجية الثورية للبلاشفة في روسيا كحرب حركة لأن البلاشفة استولوا على السلطة في لمح البصر ويقارن جرامشي هذا مع استراتيجية حرب الخنادق أو المواقع حيث تتطلب حرب الخنادق استراتيجية حصار وتغيير مستمر في نمط الحياة، حصار لجهاز الدولة من شتى الأنواع إضرابات اعتصامات تجمهرات ومحافظة يومية على الكتلة الثورية متحدة خلف برنامج تغيير ينتمي له الغالبية ويوافقون عليه وهذا ضروري لأن المجتمع المدني ينظم شبكة مرنة من المؤسسات الخاصة به التي تولد ثقة ومبادرة الجماهير من أجل الحفاظ على أسلوب الحياة السائد واستمراره. عليه مازال الكيزان كطبقة حاكمة الذين ورثوا حكم البشير يسيطرون على أجهزة الدولة المدنية والعسكرية الاقتصادية والتعليمية فإن أي تغيير حركي ما لم يلتزم بقوانين المناورة والحسم الثوري فسيفشل وبنفس القدر أي عملية ارتكاز على الجماهير عبر تغيير يعتمد على حرب المواقع بدون خلق ارتباطات واسعه بين الجماهير عبر مرارات وصبر الخنادق والمواقع والعمل المنظم الموحد فإن ذلك التغيير سيرتد في اول مسغبة لأن العمل الجماهيري سويا في خطاوى التغيير يكسبهم التضامن والتعاضد، ويقلل من الأنا ويرفع من روح الفريق والتضحية أنت لا تحتاج لجماهير تخرج للمليونيات، وتدعم تنصيب وزراءها أنت تحتاج لجماهير تحارب معك فساد المؤسسات الحكومية بالصبر عليك وأنت تحارب الفاسدين تحتاج لجماهير تعمل أنت معها يدا بيد من أجل التغيير تقودك لا تقودها، وهذا لا يتأتى إلا بنشر المثقف العضوي للوعي ما استطاع وعمله وسط الجماهير لبناء هياكل المجتمع الجديدة التي تمثل شبكة الامان في محكات التغيير .
https://www.medameek.com/?p=102799…جميع الحقوق محفوظة لصحيفة مداميك، لقراءة المزيد قم بزيارة