انتهازيو الثورات هم من يأكلون أبناء الثورة : قبل انتهاء المراحل الأولى من الثورات عادة يتحالف جزء من الانتهازيين – مدعين تمثيلهم للقوى الثورية – مع القوى القديمة التي هي جزء من النظام القائم مسبقا وثارت عليه الجماهير وهذا جزء من المسار الثوري للثورات. للأسف هذا التحالف عادة يصب جام غضبه وسطوته على رفاق الأمس أكثر من سدنة النظام القديم (المهتم ممكن يراجع تواريخ الثورات منذ الربيع الأوروبي 1848 حتى اليوم وسيجد التكرار)، ويعمل على تصفية كل المطالبين بالتغيير الجذري أو أي تغيير يضر بمصالحهم فيعملوا الاتهم القمعية في تصفية نقابات، عمال، أفراد، قيادات مجتمعية، مفكرين وغيرهم ويستهدفون الفاعلين بالاغتيال. في ألمانيا سنة 1929 شهر مايو قام البوليس وعلى مدى ثلاثة أيام بقتل ما يزيد عن ثلاثين عاملاً وإصابة المئات الجدير بالذكر أن الحكومة كانت حكومة حزب اليسار الديمقراطي SPD التي جاءت عقب حراك ثوري شارك فيه مع آخرين هذا الحزب، وفي يوم من الأيام كان يعمل مع باقي اليساريين لإنجاز ثورة في ألمانيا وكان أهم قياداتهم فريدريك ايبرت الذي تحالف لاحقا مع العسكر، وقطع خط المسار الثوري في تسوية تايخية مع نظام الحكم الإمبراطوري السابق تلك التسوية التي فيها مات الكثيرون، أبرزهم قضية الثلاثين عاملاً المتظاهرين السلميين المطالبين بما يحفظ حقوقهم العمالية إلى أن سمي تاريخيا بمايو الأحمر، وكتب ايريك فاينرت قصيدته الشهيرة العرس الأحمر التي أصبحت لاحقا وحتى اليوم قصيدة الحركة العمالية. فريدريك ايبرت والتسوية التاريخية : عليه يقودنا مسار الجدل حول فريدريك ايبرت الفرد الحزب ثم المؤسسة التي تمثل وتقتدي بتاريخ الفرد والحزب وللحديث عن أحداث فترة زمنية بعينها ارتبطت بإنشاء الجمعية الوطنية أو المجلس التشريعي أو المجلس الوطني أو البرلمان أيا كان الاسم في تجربة دولة فايمار وجمهورية فايمار هي الجمهورية التي مثلت ألمانيا بين عامي من 1919 إلى 1933 ونشأت كإحدى نتائج الحرب العالمية الأولى التي انتهت بخسارة ألمانيا الحرب. عندما استقال مستشار الرايخ (المجلس الامبراطوري) ماكس فون بادن من منصبه إلى فريدريش إيبرت، كدلالة على انتهاء الامبراطورية الألمانية وقتها واستجابة لمطالب الجماهير التي هي عبر مجالسها العمالية ومجالس الجنود والطلبة والفلاحين التي شكلها ورعاها اليسار الاشتراكي وقتها وقياداته العمالية لإسقاط النظام الإمبراطوري بالطرق السلمية، حينها سجل ماكس اقتراحًا لإنشاء جمعية وطنية تأسيسية في نفس المرسوم الذي عين فيه إيبرت كمستشار جديد للرايخ، ويقودنا هذا للمقولة القائلة إن المجموعة الحاكمة تحاول دوما إعادة إنتاج نفسها في أجهزة الدولة عقب أي تغيير لضمان استمرار مصالحها. تم قبول هذا في إطار مؤتمر المجلس الإمبراطوري الأول بناءً على اقتراح الأغلبية الاشتراكية الديمقراطية وبموافقة جزء من الديمقراطية الاجتماعية المستقلة وكانت توجهاتهم لصالح استعادة النظام والأمن والاقتصاد وضد الحفاظ على مجالس العمال والجنود التي انتجت هذا التغيير. حيث برروا ذلك بأنه يجب منع الجزء الأكبر من غالبية الديمقراطيين الاشتراكيين، من تشكيل بلشفية “مزعومة” مهددة للثورة، بكل الوسائل أيضا يرجعنا هذا لحديث فرانز فانون عن دور الأحزاب عقب حالات انتهاء الاستعمار أو الدكتاتوريات وأن عملية التسوية تستفيد من خوف القوى القديمة من سيطرة القوى الحديثة الكاملة على مقاليد الأمور وتستفيد من تغلغلها وسط الجماهير المطالبة بالتغيير لتطرح نفسها ممثلة لها. وبما أنهم سوقوا للمعتقد أن إرادة الشعب لا يمكن أن تتحقق بأي طريقة أخرى غير التسوية مع النظام السابق، فقد تمسكوا بالمفهوم السائد وقتها للجمهورية البرلمانية ورفضوا التجرؤ على تجربة مجلس عام يمثل العمال والفلاحين والجنود في نهاية المطاف، تم اتخاذ القرار لصالح نظام يخدم مصالح الانتهازيين وضد نظام يخدم القوى العاملة التي أنتجت التغيير، حتى هذا انتهى وجوده بقوة السلاح من قبل قوات الرايخ (المجلس الامبراطوري) السابقة وبأوامر من الحكومة الجديدة “الاشتراكية الديمقراطية” تحت قيادة فريدريك ايبرت. قوى التسوية تستعدي لثوار وافكرة برلمان يمثلهم: بالنسبة للمجموعة المحيطة بروزا لوكسمبورغ، فإن الأغلبية الاشتراكية الديموقراطية قد حادت أخيرًا عن هذا النهج وتكشفت بأنها أداة للثورة المضادة. لقد خانت تلك المجموعة تحت قيادة فريدريك ايبرت متسميه بالاشتراكية الديموقراطية الحركة العمالية خانتهم بادعائها تبنيها برنامج جذري، لكنها في الوقت نفسه، من الناحية السياسية العملية، استمرت في توديع مبادئها. أما بالنسبة لروزا لوكسمبورغ، فكانت شديدة التمسك بالهدف النهائي الاشتراكي والثورة الاجتماعية المرتبطة بها واستعدت تلك المجموعه أيما عداء. في وقت مبكر عندما اجتمع الاشتراكيون الديمقراطيون لعقد اتفاقيات مع القوى المحافظة بهدف الموافقة على اعتمادات الحرب ودعم موقف الدولة من الحرب العالمية الأولى، لم يعد التعاون معهم مبدئيا ممكنًا حقًا للكسمبورغ وكانت بداية الفراق بين روزا وبين الحزب الاشتراكي الديمقراطي وقتها. حيث صرحت روزا بانه لا يمكن لأي حزب يقوم على برنامج ذي توجه ماركسي أن يفشل في الاعتراف بالطابع الإمبريالي لهذه الحرب. مثل هذا الحزب واجبه أن يعمل لصالح البروليتاريا العالمية ويدين هذه الحرب كعمل قومي من قبل القوى المحافظة. عندما اقترحت حكومة إيبرت / شيدمان إنشاء جمعية وطنية، عارضت روزا لوكسمبورغ، مثل زملائها من عصبة اسبارتاكوس، هذا الاقتراح. لا يبدو أن روزا لوكسمبورغ رفضت أي شكل من أشكال التمثيل الشعبي، كما يتضح من انتقادها الحاد للثورة البلشفية، ولكن في الواقع، في خطاباتها ضد الجمعية الوطنية، كانت مهتمة بمنع هذا الاقتراح بالذات، وهو اقتراح إيبرت وشيدمان الاجتماعي واعتبرته ليس ممثلا عن الديمقراطية وانما عقبة امام تروس الثورة ووصفته بأنه نموذج برجوازي تمثيلي. وعبرت عن رأيها منتقدة اقتراح حكومة ايبرت عبر تقديمها السؤال الشهير “ترغبون في تكوين جمعية وطنية أم مجلس للحكومة” إن فكرة الأغلبية الاشتراكية الديموقراطية لإدخال الاشتراكية بمساعدة الإصلاحات في إطار نظام سياسي برجوازي وبنمط إنتاج رأسمالي قائم ترى روزا لوكسمبورغ ليس فقط أنها فاشلة وإنما ترى أن التاريخ يؤدي إلى نمط جديد للإنتاج ونظام سياسي بروليتاري، ولكن أيضًا أن الفكرة الإصلاحية يمكن فهمها على أنها تيار برجوازي سري، مما يؤدي لاحقًا إلى وجود برجوازي. وكانت تردد أن الإجماع البروليتاري القوي عبر المنظمات التي تمثله هو الضامن لإيجاد مجلس شعب ذي تمثيل حقيقي للشعب يعبر عن إرادة الجماهير. يجب ترك المساحة لهذه الكتلة من النقابات والمنظمات البروليتارية وعدم حبسها في شكل برلمان برجوازي إذا أردنا أن تحقق المسارات الثورية مآلاتها من التغيير، حيث يجب على الجماهير أن تختار هيئتها الحاكمة، وفي رأي روزا، أن الجماهير فعلت ذلك بوضوح من خلال التنظيم في المجالس. بالإضافة إلى ذلك، فإن الجماعات اليسارية من الحزب الاشتراكي الديمقراطي المستقل فقدت مصداقيتها أمام الجماهير وخانتها الحكومة الجديدة في نفس الوقت. قدم بول فروليش وريتشارد مولر أيضًا معلومات حول الأحداث التي وقعت في ديسمبر 1918، والتي ربما تكون قد ساهمت في رفض روزا لوكسمبورغ للأغلبية داخل الحزب الاشتراكي الديمقراطي ورؤيتها للمستقبل. يفسر فروليش الأحداث منذ بداية الثورة على أنها تكديس تدريجي للأغلبية الاشتراكية الديموقراطية من قبل القوى البرجوازية المعادية للثورة، التي وعدت الاشتراكية الديموقراطية بدعمها المفترض فقط من أجل الاستيلاء على الحكومة مرة أخرى في الوقت المناسب. اتفاقيات بين العسكر والمدنيين بقيادة قريدريك ايبرت: من أجل حماية مصالحهم الخاصة، أبرم فريدريش إيبرت اتفاقًا مع هيئة الأركان العامة للجيش في نفس اليوم الذي تم فيه تعيينه رئيسًا للحكومة الثورية. ينص الاتفاق أنه في حالة الطوارئ، يجب إعادة النظام إلى الجمهورية الجديدة بمساعدة الوسائل العسكرية. كان من الواضح إنه حكم مسبق على قرارات الحكومة على أنها محاولة لتحجيم إرادة الجماهير والعمل وفقًا لها، بل يتعدى ذلك الأمر إلى الاشتباه في أن حكومة ايبرت كانت وراء برنامج وضعته القوى المحافظة، والذي كان مقيدًا كشرط لتسليم أعمال الحكومة لإيبرت. تضمن هذا البرنامج أيضًا شرط استعادة النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ألمانيا، والذي كانت مبررات إيبرت وشيدمان لضرورة قبوله احتمال وجود ظروف مواتية لإبرام السلام، من بين أمور أخرى. من أجل سرد هذه الحقائق، وضح مولر وفروليش أن حكومة الاشتراكيين الديمقراطيين التي هادنت عسكر النظام القديم استخدموا بشكل متزايد وسائل غير امينة واعتمدوا علي التقارير الأمنية الكاذبة المستمرة في عملية تحريض صريح ضد عصبة اسبارتاكوس، والذي أدى في النهاية إلى دعوات للقتل التي نفذت لاحقا في حق روزا لوكسمبورغ وكارل ليبنشت وآخرين. كما اعتمدوا على نطاق واسع بنشر شائعات قائلة بأن الحلفاء والداعمين لن يمنعوا اندلاع المجاعة إلا إذا وافقت ألمانيا على دستور ديمقراطية برلمانية. شيطنة الثوار لشرعنة الانتخابات: إن أولئك الذين اتهموا عصبة اسبارتاكوس المعروفين بالأنشطة الإجرامية، وبالتالي شوهوا العصبة كاملة وعرّضوا قياداتها للاضطهاد الرسمي انتهجوا خلق الخوف والرعب أداة للسياسة أصبحت أخبار محاولات الانقلاب التي قام بها المنتمون لعصبة اسبارتاكوس أخبار معروفة كل يوم تقريبًا رغم عدم صحتها وتم منع التظاهرات أو حلها دمويا بهذه الذريعة. عندما صوت المجلس الإمبراطوري في البرلمان على الجمعية الوطنية وحدد موعد الانتخابات في 19 يناير، أدركت روزا لوكسمبورغ أن تحركات مجموعة سبارتاكوس كانت تؤتي أكلها وبذات في زراعه الخوف في قلوب الحاكمين الجدد. فسرت سلوك العمال، الذين بدا أنهم في الوقت الاني من ذلك العام يدعمون إيبرت / شيدمان، على الرغم من المحاولات العديدة من مجموعة اسبارتاكوس لتصحيح مواقف هؤلاء العمال، فسرته كدليل على وعي العمال غير الكافي حتى الآن، وعزت هذا بدوره إلى حقيقة أنها معضلة فريده في التاريخ الانساني عبرت عنها وقالت: ” إن قوات حماية النظام القديم لا يطهرون بوجهم الحقيقي الآن كطبقات حاكمة، ولكنهم الآن تحت راية الحزب الاشتراكي الديمقراطي لذلك يجدون الدعم العمالي الآن ولكن سيفقدونه لاحقا ما لم يسبقهم الحزب الاشتراكي الديمقراطي ويقوموا بتصفية العمال أولا ولقد صدقت حيث أنه عام 1929 في شهر مايو قام جهاز الشرطة وعلى مدى ثلاثة أيام بقتل مايزيد عن ثلاثين عاملاً وإصابة المئات الجدير بالذكر أن الحكومة كانت مازالت حكومة حزب الاشتراكي الديمقراطي”. لقد أدركت لوكسمبورغ، أنه خلف تصرفات إيبرت وشيدمان، يوجد خطر على الثورة البروليتارية، وهي تتخذ الآن كل الوسائل ضد إضفاء الطابع المؤسسي على سلطتها في إطار الجمعية الوطنية. عندما أدركت لوكسمبورغ أنه لا يمكن منع الانتخابات، دعت إلى استخدامها كأداة، حيث اعتقدت أنه يمكن استخدام انتخابات الجمعية الوطنية لفضح إيبرت وشيدمان وإعادة الجماهير إلى المسار الصحيح. لذلك، عارضت لوكسمبورغ في جميع الأوقات مقاطعة عصبة اسبارتاكوس للانتخابات. لم تكن مقتنعة بأن هذا العمل وهذة الانتخابات ستحظى بدعم الجماهير.
https://www.medameek.com/?p=100090…جميع الحقوق محفوظة لصحيفة مداميك، لقراءة المزيد قم بزيارة